تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

101

مباحث الأصول ( القسم الأول )

لتكرّر المقارنة في الذهن بين هذا الصوت وبين الشجاع ، فتوجد بهذه العمليّة صغرى لكبرى القانون الثاني ، فيصبح هذا الصوت دالّاً بكثرة الاستعمال على الشجاع . وهذا حقيقة الوضع التعيّنيّ الذي قالوا عنه : إنّه يحصل بكثرة الاستعمال ، ثُمّ أصبح البشر بالتدريج متعوّداً على دلالة الأصوات على المعاني ، وعلى الاستفادة من قانون المقارنة ، فأصبحت الذهنيّة البشريّة مهيّأة للوضع بمعنى إقران لفظ بمعنى في الذهن للدلالة عليه ، فيقرن الإنسان لفظاً بمعنىً من قبيل قرن لفظة « أسد » بمعناه ، أو لفظة « حليب » بمعناه ونحو ذلك مرّة واحدة ، لكنّه في ظرف مؤثّر من قبيل أن يقول : سمّيت ابني عليّاً ، أو وضعت هذا الاسم عليه ، أو اعتبرته عليّاً ، وذلك أمام جماعة قد أنست أذهانهم من قبل بدلالة الأصوات على المعاني ، والاستفادة من القرن ، فيصبح هذا القرن في ظرف مؤثّر من هذا القبيل مُلفتاً للنظر ، ويجعل اللفظ دالّاً على المعنى ، وتوجد بهذه العمليّة صغرى أخرى لكبرى القانون الثاني ، وهذا حقيقة الوضع التعيينيّ ، فالوضع التعيينيّ والوضع التعيّنيّ كلاهما عبارة عن عمليّة إيجاد الاقتران بين اللفظ والمعنى حتّى يوجد بذلك صغرى من صغريات القانون الثاني ، والفرق بينهما : أنّ الاقتران - الذي مضى : أنّه لابدّ أن يكون بنحو مخصوص حتّى يوجب الدلالة - يتمتّع في الوضع التعيّنيّ بخصوصيّة كمّيّة ، وفي الوضع التعيينيّ بخصوصيّة كيفيّة ، فروح الوضع والسبب الحقيقيّ للدلالة هو القرن بين اللفظ والمعنى في الذهن بنحو مخصوص « 1 » سواء تحقّق

--> ( 1 ) وفرق هذا البيان عن نظريّة بافلوف الشهيرة في قصّة دقّ الجرس أو نحو ذلك‌يمكن أن يفترض بأحد شكلين : الأوّل : أن يقال : إنّ نظريّة بافلوف نظريّة فسلجيّة عضويّة ، ونظريّة استاذنا الشهيد رحمه الله - نظريّة سيكولوجيّة نفسيّة ، فذاك يقول : إنّ الأثر المادّيّ للطعام - ويفترضه سيلان اللعاب - سرى إلى ما قارن الطعام لدى الكلب ( راجع فلسفتنا ، ص 372 - 374 بحسب طبعة منشورات عويدات ببيروت ، واقتصادنا ، ص 54 - 57 بحسب طبعة دار الفكر ببيروت ) . وإسراء ذلك إلى الفكر واللغة من قبل بعض الماديّين يعني : أنّ النشاط المخّيّ المادّيّ الذي يحصل بالإحساس بالشيء يحصل أيضاً بسماع اللفظ المقترن بذلك الشيء . وهذا المطلب لا دليل على صحّته ، وتجربة بافلوف لا ينحصر تفسيرها بذلك ، فبالإمكان أن تفسّر بأنّ سيلان اللعاب لم يكن أصلًا استجابة لذات الطعام المادّيّ بل كان استجابة للصورة الذهنيّة اللامادّيّة التي هي وراء النشاط المخّيّ المادّيّ ، وبما أنّ صوت الجرس المقارن لتقديم الطعام أعطى نفس الصورة للذهن حصلت نفس الاستجابة ؛ ولذا ترى أنّ ما يكون حقّاً نتيجة لذات المادّة كالموت بالنسبة للسمّ ، أو الشفاء بالنسبة للدواء لا يسري إلى ما يقارن تلك المادّة من لفظ أو غيره ، وأمّا استاذنا الشهيد رحمه الله فإنّما قال بتماثل المتقارنين في خلق الصورة العقليّة الميتافيزيقيّة لدى الفكر اللامادّيّ . والثاني : أن يفترض أنّ استاذنا الشهيد رحمه الله لا يقول أصلًا بانتقال الأثر من شيء إلى ما يقارنه ، وإنّما يقول : بأنّ التقارن الأكيد في الذهن يجعل تصوّر القرين سبباً للانتقال إلى قرينه من دون فرضيّة اكتساب أحد القرينين آثار قرينه الآخر ، بينما نظريّة بافلوف هي نظريّة انتقال الأثر من القرين إلى القرين